الحاج ميرزا علي الإيرواني الغروي

45

حاشية المكاسب

عمومات حرمة الولاية بالأخبار المتقدّمة المرخّصة لها لأجل إصلاح أمور المسلمين فإنّ ذلك من جملة إصلاح أمورهم أو أنّ فحواها تقتضي الرّخصة هنا أيضا ثمّ بعد التّخصيص يحكم بالوجوب لتوقّف الواجب عليه وهذا المسلك مبنيّ على قبول دلالة الأخبار على جواز أخذ الولاية للقيام بمصالح العباد ولكنّك عرفت المناقشة في دلالتها الثاني من مسلك حكم العقل لاندراج المقام في باب التزاحم والحكم الفعليّ في باب التّزاحم يتبع أقوى المناطين فيدّعى أنّ أقواهما في المقام هو مناط وجوب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر وأنّ قوّته بالغة حدّ الإلزام فإذا ذهبت حرمة الولاية بغلبة مناط الإيجاب اتّصفت بالوجوب لتوقّف الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر الواجبين عليه ولا يخفى أنّ الاستدلال على الوجوب بهذا الطَّريق مبنيّ على إثبات أقوائيّة المناط أقوائيّة بالغة حدّ الإلزام وهو في غاية الإشكال لعدم الدّليل على الأقوائيّة فضلا عن الأقوائيّة الكذائيّة بل قيل إنّ قاعدة دفع المفسدة أولى من جلب المنفعة تقتضي تقديم التحريم على الوجوب فإذا لم تثبت القوّة كان مقتضى القاعدة إباحة كلا الفعلين هذا مع ما عليه أشخاص الولايات من الاختلاف الفاحش وكذا ما عليه أفراد المعروف والمنكر من الاختلاف فكيف يقدّم نوع أحدهما على نوع الآخر بل ينبغي مقايسة الأشخاص أعني شخص ما يؤخذ من الولاية مع شخص المعروف الَّذي يراد إقامته بسببه تنبيه اعلم أنّا لو أوجبنا تصدّي الولاية بمناط المقدّمية لم يختص وجوبه بما إذا قصد من أخذ الولاية التوصّل إلى الواجب بل اتّصف فعله بالوجوب وإن لم يكن من عزمه التوصّل به إلى الغاية الواجبة على ما هو الحقّ عندهم من عدم اختصاص وجوب المقدّمة بما قصد به التوصّل إلى ذيها وعليه فكثير من الولايات تقع في الخارج على صفة الوجوب دون التّحريم لتوقّف الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ببعض مراتبهما عليها وإن لم يقصد من أخذها التوصّل إلى ذلك بل قصد التوصّل إلى الجور والفساد قوله قدس سره ويمكن توجيهه بأنّ نفس حاصل التوجيه هو أنّ الأمر بالمعروف يسقط عن درجة الوجوب بالمزاحمة وأمّا اتّصافه بالاستحباب فلبقاء مقدار من ملاك الوجوب مقدارا لا يقتضي إلَّا الاستحباب فإذا استحبّ استحبّت مقدمته أعني أخذ الولاية وأنت خبير بعدم السّبيل إلى إثبات هذا كإثبات ما ذكره المصنّف ره فإنّ عاقبة المزاحمة أحد أمور خمسة مطابق الأحكام الخمسة لا سبيل إلى تعيين شيء منها إلَّا بدليل خارجي ولا دليل خارجيّ إلَّا أن يقال إن أخبار استحباب تصدّي الولاية لإصلاح أمور المسلمين بناء على شمولها للمقام شاهد لما ذكره الشّهيد أو يقال إن تلك الأخبار تدلّ على مطلق الرّجحان المجامع للوجوب لا خصوص الاستحباب فيحكم في المقام بالوجوب لتوقف الواجب عليه قوله قدس سره وفي الكفاية أنّ الوجوب فيما نحن فيه محصّل هذا إنكار عموم دليل وجوب الأمر بالمعروف وعدم شموله لما كان منه موقوفا على ارتكاب محرّم بل هو مختصّ بما لا يلزم منه منكر كتصدّي الولاية في المقام وإن شئت قلت إنّ دليل الأمر بالمعروف مختصّ بصورة قدرة المكلَّف عليه قدرة عقليّة وشرعيّة والقدرة الشرعيّة غير حاصلة في المقام وهذا غير بعيد فلا وجه للمناقشة فيه كما أنّ المناقشة في عموم دليل حرمة أخذ الولاية لما كان منها للأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر أيضا لا بأس بها فإذا انسحب الدّليلان وأخمد إطلاقهما بقي كلّ من الفعلين على إباحتهما الأصليّة كما أنه لو ارتفع أحد الإطلاقين بقي الإطلاق الآخر بلا مزاحم وقد عرفت حكم صورة شمولهما جميعا الَّذي عليه أساس البحث وأنه لا يخلو عن أحد أحكام خمسة فتصير صور المسألة ثمانية ثم القدرة العرفيّة في عبارة الكفاية وعبارة المصنّف يراد به العرف الخاص أعني عرف الشّارع دون العرف العام قوله قدس سره وأمّا الاستحباب فيستفاد هذا اعتذار من جانب الشّهيد وبيان لمدرك إفتائه بالاستحباب مع عدم اقتضاء الجمع العرفي الَّذي ذكره توجيها لكلام الشّهيد لذلك بأنّ الاستحباب استفيد من دليل خارج وهو رواية محمّد بن إسماعيل وهي الشاهدة على الجمع أيضا لكن سيدفع المصنّف هذا بأنّ هذه الرّواية أخصّ مطلق من دليل حرمة الولاية ومقتضى القاعدة تخصيص عموم دليل حرمة الولاية بها فيخرج عن المزاحمة فيبقى دليل وجوب الأمر بالمعروف مع دليل استحباب أخذ الولاية لأجل إقامة الأمر بالمعروف ولا يعارض دليل الاستحباب دليل الوجوب لكن سيجيء ما فيه قوله قدس سره وفيه أنّ الحكم في التعارض نعم الحكم في التعارض بالعموم من وجه هو ذلك إن لم يقتض الجمع العرفي بينهما التصرف في كلّ منهما بما يخرجه عن ظاهره فيبقى الكلام مع صاحب الكفاية في ذلك وأنّ الجمع العرفي هل هو ما ذكره أو لا ولا يتجه عليه كلام غيره ويظهر من المصنف في هذا الإشكال أنه حمل التّخيير في كلام الكفاية على التّخيير في السّند في الخبرين المتعارضين كما يظهر منه في الإشكال الآتي أنّه حمله على التخيير الظَّاهريّ الَّذي هو أحد الأصول العلميّة في موضوع دوران الأمر بين الوجوب والحرمة وهما جميعا باطلان وإنّما مقصوده من التّخيير هو جواز كلّ من الفعل والترك واقعا جمعا بين الخبرين وعليه مدار الإشكال الثالث فينحصر الكلام معه في ثبوت جمع عرفي يقتضي ذلك أولا وأمّا لزوم استعمال اللَّفظ في كلّ من الدّليلين في أكثر من معنى واحد فيردّه أنّ الحمل على الإباحة ليس باستعمال اللَّفظ فيها حتى يلزم ما ذكره بل اللَّفظ مستعمل في معناه الأصلي كالعام إذا خصّص وإنّما الحجّة الأقوى قضت على أنّ الحكم في الواقع على خلاف ظاهر اللَّفظ قوله قدس سره إباحة الولاية للأصل ووجوب الأمر هذا غير معقول إلَّا إذا أنكرنا الملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدّماته فلعلّ المراد إباحة الولاية ذاتا مع قطع النّظر عن توقّف الواجب عليها وهو مطابق للمدّعى أيضا قوله قدس سره ثم إنّ دليل الاستحباب أخصّ لا محالة لو ثبت هذا الدّليل وقلنا به في المقام أوجب تخصيص دليل الأمر بالمعروف كما أوجب تخصيص دليل حرمة الولاية لعدم تعقّل وجوب الأمر بالمعروف مع استحباب مقدّمته فيصبح لا هذا الدّليل موجود ولا ذاك فيكون كما لو لم يكن للدّليلين في ذاتهما إطلاق وقد تقدّم أنّ حكمه إباحة كل من الأمرين وأمّا حديث عدم المعارضة بين دليل استحباب الشيء في ذاته وبين دليل وجوبه بالغير فهو صحيح لكنّه أجنبيّ عن المقام فإن أدلَّة الاستحباب تقتضي الاستحباب المقدّمي دون الذّاتي نعم الكلام إنّما هو في العمل بهذا الدّليل فإنّ الاستحباب المقدّمي للغاية الواجبة غير معقول فينبغي أمّا رفع اليد عن الاستحباب بالحمل على مطلق الرّجحان فيحكم في المقام بالوجوب لأجل وجوب الغاية أو يقيّد الإطلاق بصورة استحباب الغاية فيخرج المقام منها فإذا خرج عاد معارضة الإطلاقين أعني إطلاق دليل الأمر بالمعروف وإطلاق دليل الولاية إلى ما كان قوله قدس سره ومن المعلوم أنه لا يجب فيه أنّه كما لا يجب كذلك لا يستحبّ لعدم الدليل على الاستحباب التهيّئي وإنّما يستحبّ مهما استحبّ لأجل المقدّمية لغاية مستحبّة فعلا ومن هنا يمكن إنكار استحباب تصدّي الولاية تهيّؤا للقيام بمصالح العباد الَّتي لا ابتلاء بها فعلا وإنّما يترقّب الابتلاء بها قوله قدس سره إلَّا أن تتّقوا منهم تقاة ظاهر الآية حرمة مودة المؤمنين للكافرين وقد وردت في حرمة مودّتهم أخبار متعدّدة وقد عقد لها بابا في الوسائل فالآية أجنبيّة عن المقام ولو سلَّم دلالتها فهي تدلّ على عكس المدّعى أعني اتّخاذ المؤمنين عمّا لا كفرة ولو دلَّت على حكم المقام دلَّت على حرمة الدّخول تحت سلطة الكفر بلا خصوصيّة لأخذ الولاية منهم نعم عمومات التقيّة كافية وبالمدّعى وافية مضافا إلى عموم أدلَّة نفي الضرر وأدلَّة نفي الحرج وحديث نفي الإكراه ونفي الاضطرار الَّذي أشار إليه المصنّف فهذه أدلَّة خمسة قوله قدس سره وجهان بل وجوه ثلاثة الأوّل اختصاص المرفوع بالإكراه بالمحرّمات الَّتي هي حقّ اللَّه خاصّة دون ما كان حقّا للنّاس دما كان أو عرضا أو مالا الثاني عدم الاختصاص وارتفاع كلّ محرّم الثالث التّفصيل بين ما كان الضرر الَّذي وعد به المكره أعظم أو مساويا فيرتفع وبين ما كان